نموذج الدراسـة الناميـة

 

1 ـ الدراسة النامية أهميتها وضرورتها :

       الدراسة النامية هي الدراسة التي تتم في هذه الخطوة ـ خطوة التعارف والتآلف . وهي دراسة تنمو مع نمو التعارف والتآلف لتنفي الظن وتُنمِّي الألفة والود . فمن قواعد الإسلام وخلق الإيمان أن يعرف المسلمون بعضهم بعضاً ، على قدر ما تسمح به العلاقات واتساع المجتمع ونمو الحركة والنشاط . ولكن الأمر الثابت أن يكون التعارف جلياً واضحاً في أجواء التعامل والتعاون وفي أجواء نشاط الدعوة الإسلامية .

        إن تعارف المؤمنين تعارفاً طاهراً جلياً يفوت كثيراً من فرص الفتن والقيل والقال والغيبة والنميمة . وهذا التعارف يُرسي أسس التعاون ، ويسهل على المسلم معرفة حدوده وحدود غيره ، ومنازل المؤمنين لينزل الناس منازلهم ، ويسهّل تنمية روابط الإيمان وأخوة الإسلام ، وصلة الأرحام ويجيء حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم  يشير إلى جانب يغذّي هذا التعارف .

       فعـن أبي هريـرة رضّي الله عنه عـن النبي صلى الله عليه وسلم  قال : ( تعلّموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم . فإن صلة الرحم محبّة في الأهل ، مثراة في المال ، منسأة في الأثر )              [ رواه الترمذي وقال : حديث غريب ] (1)

       وفي أجواء الدعوة إلى الله ورسوله ، يكون التعارف أكثر وجوباً ، وأبعد أهمية . ومن أجل هذا التعارف في ميدان الدعوة الإسلامية ، وميدان البلاغ نطرح موضوع " الدراسة النامية " ، الدراسة التي تسهل على الداعية الوصول إلى قلب من يدعوه وتسهل الدخول إلى النفس وتحديد أطيب وسائل الخطاب وأساليب الدعوة والبلاغ .

       وهذه " الدراسة النامية " قدمنا تفصيلاتها في بعض " كتب الدعوة " وكتاب " منهج المؤمن بين العلم والتطبيق " ، أثنـاء الحديث عن " مراحل الدعـوة " و" مراحل اختيار الدعاة " .وهذه " الدراسة النامية " تنمو في ميدان الممارسة والتطبيق والدعوة . وهذه دراسة مباركة في أجواء الإيمان والتقوى والدعوة والبلاغ . ولكنها تنحرف في أجواء المكر والخديعة والفساد إلى شر وفتنة ، كما تتحول كل أدوات الإنسان إلى خير وبركة وصلاح إذا أُخلصت النية لله وصح النهج على أساس الإيمان والتوحيد ومنهاج الله أو شر وفساد إذا فسدت النية والنهج .

       والوسائل والأساليب كلها تعطي الخير والصلاح أو الشر والفساد على ضوء ما تنطلق منه من نية ونهج . ولقد كان المسلمون أول من جعل من هذا الموضوع علماً عظيماً نافعـاً حين قدموا لنا " علم الرجال " ، و " الجرج والتعديل " ، وقواعد قبول الحديث ورفضه .

       ويختلف الغرب في نهجه عن ذلك . فهذه الموضوعات يختصّ بها رجال أو دوائر أو مؤسسات ، وهي ملغيّة في حياة الأفراد والعائلات والمجتمع ، بعد أن تمزقت روابط الأسرة ، وتقطعت الأرحام ، وقامت روابط المصالح المادية وحدها تربط الناس بعضها ببعض :

(( فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم ))

[ محمد : 22 ]

       إنك ترى الرجل يسكن منزلاً سنين طويلة ولا يعرف جاره ، ولا جاره يعرفه . وقد يموت شخص في منزله دون أن يحس به أحدٌ زمناً طويلاً حتى تكشف رائحة الجثة انتباه أحدهم .

       لذلك نعرض قضية " الدراسة النامية " لتكون هذه الدراسة قاعدة إيمانية تعين الدعاة العاملين ليكونوا أقرب للتقوى .

2 ـ موضوعات الدراسة النامية :

       ويمكن أن نقسم الموضوعات التي يجب دراستها في الإنسان في مرحلة التعارف والتآلف إلى مجموعتين :

·       أ ـ المجموعة الأولى :

        هي المعلومات التي ترتبط بشخص معينّ لتُحدِّدَه ، وتحدِّد اسمه ونسبه وبلده ، وعلمه ، وأسرته ، وأرحامه ، وأصدقاءه ، وموجز سيرته .

 

·       ب ـ المجموعة الثانية :

         المعدن والفطرة ، والسجايا والأخلاق عامة : كرم أم بخل ، وقوة أم ضعف ، شجاعة أم جبن ، حزم أم تردد ، تواضع أم كبر ، صدق أم كذب ، تيقن أم ظن ، عدم الغيبة والنميمة أم الوقوع فيهما ، عدم الجدل والمراء أم الوقوع فيهما ، الرّوية أم التسرع ، الجد أم المزاح ، الرضا والهدوء أم الغضب والحدّة ، وغير ذلك من الصفات العديدة التي يستطيع الداعية أن يحدد تفصيلاتها في نهجه وخطته ، والتي ترسم معالم المعدن والطبيعة والسجايا . وهذه قضية هامة في ميزان دعوة الإسلام ، ليحدّد الداعيـة بها نوع المشكلات التي تحتاج إلى معالجة أو تقدير أو انتباه وحذر .

·       ج ـ المجموعة الثالثة : الوسع والطاقة :

      تدرس هنا المواهب والقدرات ، والمهارات والهوايات ، ويدرس ما لدى من تدعوه من علوم بالإسلام وبالعلوم الأخرى ، ومدى وعيه للواقع وميزانه في ذلك ، وتدرس فطنته وذكاؤه ، وغير ذلك . فهذه الخصائص عند معرفتها ودراستها توفّر على الداعية وعلى الدعوة كلها جهداً ووقتاً . ويساعد الدعوة في جميع مراحلها لتحديد أسلوب البلاغ الأوفى ، وأُسلوب التربية الضروري ، ولمساعدة الدعوة الخاصة والأمة عامة في إعطاء كل ذي حق حقه ، ولإنزال الناس منازلهم ، وللاستفادة الأمينة من كل طاقة لصالح الأمة كُلها ، ولصالح الإنسان في الأرض ، حين يصوغ الإيمان هذه المواهب .

·       د ـ المجموعة الرابعة : الولاءات والارتباطات والعلاقات :

         يدرس في هذه المجموعة أين ولاؤه الأول والأقوى ، أهو لله أم لسواه ، ومدى ولائه للعصبيات الجاهلية ومدى أثرها على رأيه ومواقفه ونشاطه . وما هو أثر الزوجة والأولاد عليه وعلى رأيه ومواقفه ونشاطه . وما هو دوره في البيت بين زوجته وأولاده . وكذلك يدرس مدى ولائه للأصدقاء والأرحام والعادات والأعراف المخالفة للإسلام ومدى أثرها عليه وعلى مواقفه وآرائه واتجاهه .

·       هـ ـ المجموعة الخامسة : مظاهر الإيمان :

         ويدرس في هذه المجموعة ما هي مظاهر إيمانه من داء الشعائر والسلوك والوعي الإيماني عامة ، وما هي أهم نواحي الضعف عنده ، ومظاهر الخلل إن وجدت .

·       و ـ التقدير العام :

يدرس مدى تأثير هذه القضايا مجتمعة عليه ، ومدى وسعه وطاقته ، وقدرته على تحمل أعباء الدعوة الإسلامية وتكاليفها ، وماهي المنزلة التي يُنزَل فيها . ويتخذ هنا تقرير مبدئي عن وسعه ومنزلته .

من هذه المجموعات ودراستها يمكن أن يضع الداعية تفصيلات خطته وبنودها ، حتى يمضي في دعوته على بيّنه ونور ، وعلى هدى من الله ، ومن الواضح أن المجموعة الثانية هي الأساس في وضع الخطة وفي الانتقال من خطوة إلى خطوة ، ومن مرحلة إلى مرحلة .

والداعية المؤمن يستفيد من الوضوح والجلاء ، على ذكاء ووعي وخطـة ، ما يُجنبّه كثيراً من المزالق . وإن الأساليب الملتوية ، حين تخرج عن قواعد الإيمان ، لا تكون ذكاءً بقدر ما هي أخطاء تخلق المزالق بدلاً من أن تساعد على تجنَّبها .

ولا يجوز للداعية أن يعتمد الظنَّ والوهم ليتخذ على ضوئه موقفاً أو يرسل خطة . فكم خسر المسلمون باتباعهم الظنّ وعدم التبين ، حتى تفرّقوا وغلبتهم الشحناء والبغضاء . فالتبيُّن قاعدة أساسية لاعتماد المعلومات ولإدخالها في بناء الخُطّة . والتبيُّن يتمّ بالوسائل والأساليب التي يحدِّدها منهاج الله على ضوء الواقع الذي يعمل فيه الداعية . ويجب أن يظل قلب الداعية المؤمن يحمل القاعدة الذهبيّة الرئيسة في العمل الإسلامي كلّه  ، قاعدة اعتماد الركنين الأساسين متلازمين مترابطين ، الركنين اللذين يقومان على القاعدة  الصلبة ـ قـاعدة الإيمان والتوحيد ، نظل نكرِّرهما في كل مناسبة وكتاب وهما :

             أولاً : المنهاج الرباني : قرآناً وسنة ولغة عربية :

        ثانياً :الواقع البشري الذي يعمل فيه الداعية وفهمه من خلال منهاج الله :

              فعلى هذين الركنين يقوم الفقه والعلم والعمل ، حين نفترض توافر الإيمان والتوحيد . وهذان الركنان يظلاّن يغذيان الإيمان والتوحيد ، ويظل الإيمان يغذي وعي الداعية لهما والاستفادة منهما ، حتى تستقيم الممارسة الإيمانية والعمل الصالح في خبرة نامية ، فالفقه إذن ، كما عرّفْنَاه في كتاب " منهج المؤمن بين العلم والتطبيق " ، هو فقه منهاج الله والواقع معاً ، وليس فقه الواقع وحده ، هو فقه الإيمان والعمل الصالح ، والخبرة والممارسة على أساس من ذلك كله . فالوضوح على ذكاء ووعي وخُطّة ، والتبين وعـدم الاعتماد على الظن والوهم ، والتزام القاعدة الذهبيّة الرئيسة ، المنهاج الرباني والواقع ، كل هذا ضروري للداعية ليضع خطته على أساس من الدراسة النامية والوعي والعلم ، متوجّهاً بعلمه إلى الله   سبحانه وتعالى ، بنيّة صادقة خالصة له .

              وعلينا أن نؤكد أن قضية الدعوة والبلاغ الهدف الثابت الأول في الدعوة الإسلامية ، وهي مهمّة الأنبياء والرُسل على مرّ السنين . ولكن واقع المسلمين اليوم أغفل هذه القضيّة ، أو تهاون بها ، أو تجاوزها ، فلم تنل من التخطيط والنهج ما تستحقه مع كلّ واقع جديد . وربما انحصر عمل الداعية في كسب مؤّيدين ومناصرين ، وتجميع حشد بشريّ لم ينل حظه من التوعية والدعوة والبلاغ ، أو في الدعوة إلى قواعد بشرية تنال هي الجهد الأوفى دون أن ترتبط بالدعوة إلى الإيمان والتوحيد . وكان من أسوأ نتائج هذا الواقع أن اصطدمت الجهود وتضاربت بعد أن تضارب الولاء والعهود ، وعمّت الفتنة في كثير من المواقف والحالات ، وغلب الجهل وامتد وانتشر ، وثارت عصبيات هي في ميزان الله جاهلية قبيحة ، ولكن الجهل والأهواء والمصالح سهّلت كلّها على الشيطان مهمّته حتى زيّنها الناس .

              لذلك يجب أن نؤكد ونكرر هذه القضية الهامة ، وهي أن تأخذ الدعوة إلى الإيمان والتوحيد منزلتها الحقيقية لتكون الهدف الثابت الأول في الدعوة الإسلامية ، مرتبطة مع سائر الأهداف الثابتة ، مرتبطة مع الهدف الأكبر والأسمى ـ الجنّة ـ ، ولتنـال حقّها من التخطيط والدراسة والتوجيه ، ومن الجهد والبذل والعناية .

              عندما ندرك هذه القضيّة في ميزان منهاج الله ، وعندما ندرك حقيقة غيابها عن معظم واقع المسلمين اليوم ، ندرك كيف أن توافر مئات الألوف من الدّعاة لم يغيّر واقع الناس ، ولم يحوّل الناس إلى الإيمان والتوحيد . وربما نجد مع مضي السنين أن التفلّت من الإيمان والتوحيد يجد فرصة الانتشار الأوسع ، انتشاراً هادئاً لاصخب فيه ، وتسلّلاً مدروساً يحمل النهج والتخطيط ، والصفّ المتراص ، يقابله على الجانب الآخر صفّ الدّعاة الممزّقين المتناحرين ، على غير خطة أو نهج . وفي كثير من الأحيان يستطيع من يعمل بنهج وخُطة وصفّ متراص ، أن يحول جهود المتنابذين الذين لا يملكون نهجاً ولا خطة إلى صالحه ، فيتضاعف كسب أصحاب النهج المتعاون ، ويخسر المتنابذون .